فخر الدين الرازي

338

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قديم الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل اللَّه قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله ، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد ، فإنه لما شاهد أن قربان صاحبه مقبول عند اللَّه تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن الاعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه ، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات ، وإذا كان المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن يقال : هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل . واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار ، وفي الآية أيضا ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر ، وهو الحق واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قوله بِالْحَقِّ فيه وجوه : الأول : بالحق ، أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة من عند اللَّه تعالى . والثاني : أي تلاوة متلبسة بالصدق والحق موافقة لما في التوراة والإنجيل . الثالث : بالحق ، أي بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد ، لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ويبيعون عليه . الرابع : بالحق ، أي ليعتبرون به لا يحملوه على اللعب والباطل مثل كثير من الأقاصيص التي لا فائدة فيها ، وإنما في لهو الحديث ، وهذا / يدل على أن المقصود بالذكر من الأقاصيص والقصص في القرآن العبرة لا مجرد الحكاية ، ونظيره قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] . ثم قال تعالى : إِذْ قَرَّبا قُرْباناً وفيه مسائل : المسألة الأولى : إذ : نصب بما ذا ؟ فيه قولان الأول : أنه نصب بالنبإ ، أي قصتهم في ذلك الوقت . الثاني : يجوز أن يكون بدلا من النبأ أي وأتل عليهم من النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف . المسألة الثانية : القربان : اسم لما يتقرب به إلى اللَّه تعالى من ذبيحة أو صدقة ، ومضى الكلام على القربان في سورة آل عمران . المسألة الثالثة : تقدير الكلام وهو قوله إِذْ قَرَّبا قُرْباناً قرب كل واحد منهما قربانا إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم ، لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد قربانا . وقيل : إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد ، وأيضا فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثنى ولا يجمع . ثم قال تعالى : فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قيل : كانت علامة القبول أن تأكله النار ، وهو قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : علامة الرد أن تأكله النار ، والأول أولى لا تفاق أكثر المفسرين عليه . وقيل : ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرب به إلى اللَّه تعالى ، فكانت النار تنزل من السماء فتأكله . المسألة الثانية : إنما صار أحد القربانين مقبولا والآخر مردودا لأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال . قال تعالى هاهنا حكاية عن المحق إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [ الحج : 37 ] فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة اللَّه ليس إلا التقوى والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة والسلام : « التقوى هاهنا » وأشار إلى القلب ،